إيڤاريتا جعفر: شبح الضفة الغربية يخيم على الجنوب اللبناني

 

 

إيڤاريتا جعفر

إن اتفاقيات أمن الحدود ليست مجرد ترتيبات تقنية لوقف النار، بل هي إعادة هندسة للجغرافيا والسيادة. فحين نتأمل ما آلت إليه الضفة الغربية بعد عقود من اتفاقيات أوسلو، ونقارنها بما يُفرض اليوم على الجنوب اللبناني عبر مفهوم “المناطق التجريبية” وعرقلة انتشار الجيش اللبناني، نكتشف أن العقيدة الأمنية للاحتلال لا تتغير: تفكيك السيادة الوطنية، وتقسيم الجغرافيا إلى جيوب معزولة، وتحويل السلطات الرسمية إلى هياكل إدارية تُحاسَب على الأمن وتُمنَع من ممارسة السيادة.

من نابلس إلى الجنوب: سياسة “استباحة المساحة الشرعية”

لا تحتاج الرؤية إلى انتظار سنوات لتتضح، بل يكفي مراقبة ما شهدته مدينة نابلس ومخيماتها خلال اليومين الماضيين؛ فحسب تقسيمات أوسلو، تُصنَّف نابلس ضمن “المنطقة أ” الخاضعة شكلياً وورقياً للسيطرة الأمنية والإدارية الكاملة للسلطة الفلسطينية. لكن على الأرض، يقتحم جيش الاحتلال المدينة، ويهدم المنازل، وينفذ الاعتقالات والاغتيالات بعيداً عن أي اعتبار للنصوص الموقعة. هذه الاستباحة اليومية تُلغي عملياً مفهوم “المنطقة أ”، وتحول السلطة الوطنية إلى كيان مطلوب منه ضبط الأمن المحلي، بينما يحتفظ الكيان بـ “حرية الحركة العسكرية” المطلقة.

هذه السياسة بالتحديد هي ما يُعاد إسقاطه اليوم على الجنوب اللبناني. ففي الوقت الذي يُطالب فيه المجتمع الدولي الدولة اللبنانية بفرض سيادتها ونشر الجيش اللبناني جنوباً لتثبيت الاستقرار، تقوم القوات الإسرائيلية ميدانياً بعرقلة هذا الانتشار، واستهداف تحركات القوى الشرعية. إن الهدف الإسرائيلي من عرقلة انتشار الجيش ليس مجرد تعطيل تقني، بل هو سعي متطابق مع سيناريو نابلس: تجريد المؤسسة العسكرية الوطنية من قدرتها على المبادرة، وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية أراضيها، لفرض أمر واقع جديد يُكرّس “حرية العمل الأمني الإسرائيلي” فوق السيادة اللبنانية.

من الأمن إلى الاستيطان: التسلل الناعم وفرض “الأمر الواقع”

إن خطورة هذا النهج لا تقف عند حدود التفوق الأمني وتقييد حركة الجيش اللبناني، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد وأخطر: التسلل الديموغرافي والأطماع الاستيطانية. فالمشاهد والمؤشرات الميدانية الواردة في عدة تقارير وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي في الجنوب — بدءاً من محاولات مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين نصب الخيام والتسلل نحو أطراف القرى الحدودية، وصولاً إلى التحركات الاستفزازية والتواجد عند نهر الوزاني — تعيد إلى الأذهان ذات البدايات التي شهدتها الضفة الغربية عقب أوسلو.

في العقيدة الاستيطانية، لا تبدأ السيطرة على الأرض بقرار سياسي معلن، بل بـ “خيمة” أو “نقطة مدنية” تتحول إلى بؤرة استيطانية تُفرض كأمر واقع، ثم تُحاط بذرائع “حماية المدنيين”، لتتحول لاحقاً إلى منطقة أمنية يُمنع أصحاب الأرض الأصليون من الاقتراب منها. إن نقل هذه الممارسات إلى الجنوب اللبناني يؤكد أن المقاربة الإسرائيلية لا تتعامل مع الجنوب كمنطقة حدودية لدولة مجاورة ذات سيادة، بل كـ “منطقة ج” صامتة، يُراد تفريغها من أهلها وشلّ إرادة دورتها الحياتية اليومية، تمهيداً لقضمها تدريجياً وتكريس حضور استيطاني وأمني دائم فيها.

خاتمة: بين أوهام التفاوض وصمود الأرض

لم يكن للاحتلال أن يتجرأ على محاولة استنساخ سيناريو الضفة في الجنوب، لولا الخذلان العربي المتمادي الذي ترك الضفة الغربية تواجه قدرها وحيدة حتى أُفرغت السيادة من مضمونها. واليوم، تُراهن إسرائيل على الصمت نفسه، مستغلةً ضعف السلطة اللبنانية وارتباك موقفها السياسي أثناء مفاوضة العدو، لتفرض “أوسلو جديدة” بشروطها. غير أن منع تحويل الجنوب إلى “ضفة ثانية” لن يتحقق بتقديم التنازلات تحت ضغط جرائم الاحتلال، بل بامتلاك الجرأة السياسية لرفض تجزئة السيادة الوطنية، والتصدي الحازم لأولى خيام الاستيطان في القرى الحدودية قبل أن تصبح أمراً واقعاً.

ماجستير في الحقوق/لبنان

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here