الدكتور طارق ليساوي
لا يمكن بأي حال من الأحوال مقاربة نازلة المسجد الأقصى المبارك عبر أدوات الخبر السياسي السيار، ولا الاكتفاء بالرصد الميداني للاستفزازات العابرة بمعزل عن مرجعيتها التأسيسية الكبرى. إن الأقصى في بنية الوعي الإسلامي يمد جذوره في النص القرآني الحاكم، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الإسراء: الآية- 1)
إن هذا الارتباط النصي والتأسيسي يضعنا أمام حقيقة جليلة مفادها أن الأقصى ليس مجرد أثر تاريخي أو معلم عمراني يمكن التفاوض بشأنه أو توزيع حصصه الوظيفية ضمن هندسة التسويات السياسية الراهنة، بل هو ركن ركين في عقيدة الأمة. وحين تختل هذه البوصلة القرآنية في عقول النخب أو تتوارى خلف براغماتية السياسة الضيقة، تفقد الأمة مناعتها في مواجهة مشروعات التفكيك المنهجي. ولذلك، فإن أي مقاربة جادة لمستقبل الأقصى ومخاطر تهويده يجب أن تنطلق ابتداء من استعادة هذا المعنى التأسيسي الذي يحرر القضية من أسر اللحظة السياسية العابرة ويضعها في نصابها الحضاري التاريخي الصحيح، بعيداً عن السطحية الإعلامية التي تعالج الأعراض وتتجاهل العلل البنيوية العميقة التي تعاني منها الأمة في تعاملها مع مقدساتها ومصيرها الوجودي.
الجذور التاريخية
حين نغوص في أعماق الذاكرة التاريخية للأمة، تبرز لنا محطة استرداد القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس في معركة حطين الخالدة سنة 583 هـ الموافق لـ 1187 م ، بوصفها علامة فارقة ونموذجاً استراتيجياً للتأسيس على قاعدة الوعي بالخطر الوجودي. لقد أدرك صلاح الدين ومن خلفه الأمة أن طهارة الأقصى من رجس الصليبيين واستعادة سيادته المطلقة كوقف إسلامي خالص لا تقبل القسمة ولا المداهنة، هي الشرط الأساس لبقاء الأمة ومنعتها. ومنذ تلك اللحظة التاريخية المفصلية، رسخ في عقيدة أعداء الأمة أن انتزاع الأقصى رمزياً وعقدياً يعني بالضرورة إسقاط الأمة في عمقها الاستراتيجي والحضاري. ولطالما تعرض المسجد عبر مساره الطويل لهزات ومحاولات استهداف متقطعة، غير أنها كانت تصطدم في الغالب بيقظة الأمة وصلابة جبهتها الداخلية.
المشروع الصهيوني
غير أن انطلاق المشروع الصهيوني المعاصر، تحت مظلة الانتداب البريطاني ثم الاحتلال الإسرائيلي المشؤوم للقدس الشرقية في عام 1967، نقل استراتيجية الاستهداف من مرحلة الغزو والسيطرة العسكرية التقليدية إلى مرحلة التفكيك المنهجي وصنع هوية دينية وسياسية موازية. فمنذ جريمة حريق المسجد الأقصى المشؤوم في 21 من أغسطس عام 1969 على يد المتطرف الأسترالي مايكل دينيس روهان بتواطؤ وتخادل صهيوني واضح، بدأت سلسلة ممنهجة من الحفريات التحتية والأنفاق التي استهدفت تقويض الأساسات الهيكلية للمسجد. ومروراً بمذبحة الحرم القدسي الشريف عام ألف وتسعمائة وتسعين، وصولاً إلى الاقتحامات اليومية المنهجية التي تقودها منظمات ما يُسمى بـ”الهيكل المزعوم” بحماية مطلقة من المؤسسة الأمنية والسياسية لدولة الاحتلال، يتضح بجلاء أن الهدف النهائي هو فرض السيطرة التامة وهدم الأقصى لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه.
حركة الطغيان
تأتي سورة الإسراء الكريمة لتفتح أمامنا أفقاً تحليلياً بالغ العمق والخطورة في قراءة سلوك القوى الطاغية في لحظة استماتتها وبلوغها ذروة العلو والبطش، إذ يقول الحق سبحانه: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا”. إن هذا “العلو الكبير” ليس مجرد مفردة وعظية مجردة، بل هو مفهوم استراتيجي وتحليلي دقيق؛ فالأمم والقوى حين تبلغ ذروة الشعور بالقوة الفائقة، وتمتزج عندها الغلبة العسكرية الساحقة بالتفوق التقني والمعلوماتي، والدعم الدولي المطلق بالغرور الأيديولوجي المتطرف، فإنها تميل بالضرورة إلى التحول من إدارة القوة ضمن الأطر التقليدية إلى استعراضها بلا قيود. تنتقل من الاستعمال العسكري والسياسي المقيد إلى الاستعمال المنفلت، ومن مجرد السيطرة الميدانية إلى الطموح المطلق لإعادة تعريف البشر والأمكنة والرموز وفقاً لمشيتها الاستعمارية الخاصة.
إن ما يجري اليوم في مدينة القدس المحتلة، وفي باحات الأقصى، وفي سجون الاحتلال، وفي الإقليم برمته، يمكن قراءته بامتياز من خلال هذه العدسة القرآنية التحليلية لفهم حركة الطغيان حين يبلغ أَوْجَهُ. فالغطرسة الصهيونية المعاصرة لا تتحرك بمعزل عن هذا الناموس التاريخي والنفسي للقوى المتجبرة التي تُصاب بعمى القوة وغرور التفوق، فتستباح المقدسات وتتجاوز كل الخطوط الحمراء معتقدة أن قبضتها الحديدية قادرة على إعادة صياغة الواقع الديموغرافي والجغرافي والديني للمنطقة بأسرها. وهذا ما يفرض على المحلل الجاد قراءة المشهد لا باعتباره مجرد ردود أفعال عابرة لوزراء متطرفين، بل بوصفه تجسيداً لحركة طغيان بنيوية تسعى إلى فرض إرادتها المطلقة قبل أن تواجه السنن التاريخية الحاكمة لسقوط الإمبراطوريات وانهيار الكيانات القائمة على الظلم والاستعمار.
اليمين والمعارضة
إن ما يشهده المسجد الأقصى المبارك اليوم من استهدافات ممنهجة يتوزع في التطبيق العملي على مسارين خبيثين يتكاملان في الغاية والهدف وتتضارب أدبياتهما في الشكل والخطاب لخدمة المشروع الصهيوني الاستراتيجي: الأول هو مسار اليمين المتطرف الصهيوني الذي يتبنى استراتيجية “الفرض بالقوة الفجة”، ويمثلها وزراء وأقطاب سياسيون مثل إيتمار بن غفير وغيره من رموز الصهيونية الدينية ممن يحطمون كل الخطوط الحمراء والأعراف القائمة. يتجلى ذلك في الاقتحامات الاستفزازية الضخمة والمتكررة، ورفع الأعلام الإسرائيلية، ونصب الخيام، وأداء الطقوس التلمودية الجماعية، في محاولة وقحة لتحويل المسجد الإسلامي الخالص إلى باحة متنزه عام ومكان مشترك للعبادة، تمهيداً للفرض الكامل للتقسيم المكاني والزماني وصولاً للهدم والسيطرة النهائية.
أما المسار الثاني، فيمثله تيار ما يُسمى “المعارضة الإسرائيلية” الذي يعتمد استراتيجية “التهويد الصامت والهدم البطيء”. إن رفض بعض أطراف المعارضة الصهيونية لتلك الاقتحامات الاستعراضية الفجة ليس نابعاً بحال من الأحوال من قيم أخلاقية إنسانية أو احترام لمقدسات المسلمين، بل هو تخوف براغماتي بحت من تضرر “صورة إسرائيل” في المحافل الدولية وانكشاف عورتها الأخلاقية والسياسية بعد الصدمة الهائلة التي خلّفتها معركة “طوفان الأقصى”. إن هذا التيار يفضل استراتيجية القضم التدريجي والتهويد الصامت بعيداً عن أضواء الإعلام الصاخبة، لفرض واقع لا رجعة فيه يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية ذاتها ولكن بأقل قدر ممكن من التكلفة السياسية والدبلوماسية، مما يؤكد أن الخلاف الإسرائيلي الداخلي هو خلاف على “طريقة الأكل لا على أصل الذبيحة”.
مقدمات الرمز
لم يعد استهداف الأقصى يقتصر على مستوى الاقتحامات الرمزية أو المناوشات الحدودية، بل تجاوز ذلك إلى محاولة كسر الاستمرارية الوظيفية والوجودية للمقدس الإسلامي. ويبرز ذلك جلياً في سوابق خطيرة تمثلت في التضييق غير المسبوق وإغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين في محطات مركزية كشهر رمضان وعيد الفطر، وإجبار الفلسطينيين على إقامة صلواتهم وخصوصاً التراويح والعيد في العراء خارج أسوار البلدة القديمة تحت وطأة وجود أمني وعسكري كثيف. إن هذه الممارسات لا يمكن تفسيرها ضمن الإجراءات الأمنية الباردة والتقنية، بل هي كسر متعمد لاستمرارية المكان كحيز إسلامي يومي وأسبوعي، ومحاولة خبيثة لإعادة تعريف من يملك حق الحضور، ومن يمتلك سلطة تقرير متى يُفتح المقدس ومتى يُغلق، وكيف تُحول العبادة الإسلامية إلى امتياز تمنحه القوة الغاصبة وتسحبه متى شائت.
إن هذا التحول الخطير يمثل المقدمة العملية للهدم الرمزي والديني للأقصى، وهو يتكامل تماماً مع مسار إجرامي آخر لا يقل عنه خطورة، ألا وهو التدهور المتسارع وغير المسبوق في معاملة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. لم يعد المشهد في السجون مجرد تجاوزات فردية أو نتائج جانبية لشراسة الحرب، بل تحول إلى بنية متكاملة من العنف المقنن والممنهج، توجت بالدفع نحو مشاريع قوانين إعدام الأسرى التي يقودها اليمين المتطرف، والتي وصلت إلى مراحل متقدمة تمهيداً للتصويت النهائي. إن الانتقال من سياسة “الإعدام البطيء” غير المعلن إلى “الإعدام القانوني العلني” يعكس رغبة الاحتلال في تحويل العنف إلى عقيدة دولة. وحين نربط بين تضييق الخناق على الأقصى وتصعيد التنكيل بالأسرى، ندرك أن المسجد والسجن هما تعبيران متطابقان لمنطق استبدادي استعماري واحد يريد كسر إرادة الأمة ورموزها ومقدراتها الوجودية.
أوهام التطبيع
في خضم هذا المشهد الوجودي المأساوي، تبرز الخطيئة الكبرى والمتمثلة في مسلك الأنظمة والنخب الرسمية العربية والإسلامية التي انخرطت في مسار محموم وهرولة مستمرة نحو التطبيع المجاني والمذل مع كيان الاحتلال. والأدهى والأمر من ذلك هو سيطرة الوهم السياسي القاتل على عقول هذه النخب، لاعتقادها الساذج بأن هذا التطبيع سيوفر لمرتكبيه “حماية أمنية” ومظلة دافئة تصنعها الأجهزة الأمريكية والصهيونية معاً. إن هذه الأنظمة لم تستوعب بعدُ السنن التاريخية والسياسية الحاكمة لطبيعة التحالفات الإمبراطورية؛ فلم تدرك أن واشنطن وتل أبيب لا تعاملان الأتباع والوكلاء إلا بوصفهم أوراق ضغط رخيصة ومؤقتة تُستعمل عند الحاجة وتُرمى في سلة المهملات حين تنتهي صلاحيتها الوظيفية في مواجهة الشعوب الحرة أو القوى الإقليمية الرافضة للهيمنة.
إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستقف لتدفع عن عروش أو أنظمة تخلت عن مقدساتها وتواطأت بطريقة أو بأخرى على تصفية قضايا أمتها هو رهان خاسر سلفاً ومخالف لأبسط قواعد التحليل الجيوسياسي. فالتاريخ الإمبراطوري المعاصر يعج بالشواهد على أن القوى العظمى تتخلى فوراً عن عملائها حين تتقاطع المصالح الكبرى أو تنتفي الحاجة إليهم. وحين تختار هذه الأنظمة الاصطفاف في المظلة الصهيو-أمريكية متوهمة حماية وهمية، فإنها في الواقع تقدم نفسها قرابين رخيصة لمشروع الهيمنة الشامل الذي يستهدف المنطقة بأسرها. إن الصمت الرسمي المطبق، وبيانات الإدانة الباهتة التي تصدر عن المنظومة الرسمية، لا تمثل سوى ضوء أخضر متجدد للاحتلال للتمادي في مخططاته التهويدية، وجريمة استراتيجية بحق الأجيال القادمة التي ستدفع باهظ الثمن جراء هذا الانكشاف الاستراتيجي غير المسبوق.
العلم الزائف
في ظل تعقيدات المشهد الراهن وتصاعد الهوس الديني لدى أقطاب الصهيونية الدينية داخل بنية صنع القرار في كيان الاحتلال، وتزامن ذلك مع إغلاق الأقصى وطرح شعائر وممارسات تلمودية بديلة، يفرض الواجب التحليلي والاستشرافي طرح الفرضيات الكبرى وعدم الركون إلى السطحية الخبرية. ومن أبرز هذه الفرضيات التي ناقشناها مرارًا في تحليلاتنا فرضية “العلم الزائف” أو ما يُعرف بـ “False Flag”؛ فماذا لو وقع اعتداء تدميري واسع أو هدم جزئي أو كلي للمسجد الأقصى المبارك، ثم جرى تسويقه وتمرير روايته عبر وسائل الإعلام العالمية بوصفه نتيجة “صاروخ طائش” في خضم الحرب الإقليمية، أو خطأ تقنياً وعسكرياً غير مقصود في سياق المواجهة مع إيران أو قوى المقاومة؟ إن الحروب الكبرى لا تُدار فقط بتبادل النيران العسكرية، بل تُدار بصناعة السرديات، واختلاق الذرائع، وتوجيه الوعي الجمعي العالمي والمحلي.
إن ما يخيف حقاً في هذه الفرضية الاستشرافية ليس فقط إمكانية وقوعها الفعلي على الأرض في ظل بيئة سياسية ونفسية صهيونية قابلة لتوليدها وتوظيفها، بل السؤال المرعب عن طبيعة رد فعل العالم الإسلامي والعربي بعدها. هل ستشتعل المنطقة حقاً وتتحرك الأمة لنصرة مقدساتها، أم أننا سنشهد في زمن التبلد والاعتياد على الفجائع الكبرى صدمة عابرة يعقبها صمت مدقع وعجز استراتيجي أعمق؟ إن خطورة هذه السيناريوهات تكمن في قدرة الدعاية الصهيو-أمريكية على ترويض الوعي العام لقبول المستحيل وتحويل الجريمة الكبرى إلى واقع مفروض. ومن هنا تنبع ضرورة اليقظة الاستراتيجية الدائمة، ورفض الاطمئنان إلى الهدوء المخادع الذي تفرضه دوائر التضليل الإعلامي والسياسي، لأن المعركة على الأقصى دخلت مرحلتها الحرجة والخطيرة التي تتطلب وعياً جمعياً يرقى لمستوى التحدي الوجودي القائم.
وإذ نقف عند هذه المحطة التحليلية المعقدة في تتبع خيوط المؤامرة الكبرى على الأقصى والمقدسات، ندرك أن تفكيك هذه الخرائط الجيوسياسية والاقتصادية يحتاج إلى إبحار أعمق في السنن الحاكمة لنهوض الأمم وسقوطها. وسنواصل بإذن الله تعالى تعميق هذه القضايا وتحليل أبعادها في المقال الموالي، لنستجلي ملامح المرحلة القادمة ومآلات الصراع الإقليمي.
وللإخوة الباحثين والمتابعين الراغبين في تعميق الفهم حول السنن النقدية والاقتصادية الحاكمة لهذه التحولات، أدعوكم لمتابعة الحلقات التحليلية المتخصصة ضمن برنامج “سنن المال” عبر منصة يوتيوب من خلال الرابط التالي: ? رابط قائمة تشغيل برنامج سنن المال
كما أجدد الدعوة لمتابعة بقية القضايا والتحليلات الجيو-اقتصادية الشاملة عبر برنامج “إقتصاد في سياسة” من خلال الرابط التالي: ? رابط قناة الدكتور طارق ليساوي على يوتيوب
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أكاديمي وكاتب مغربي


التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.