د. سلمى عراف – بيكر
في زمن رقمي، كما يوصف اليوم، تشهد البشرية تحولا جذريا يتجاوز البيانات التقليدية إلى نظم افتراضية سببت تغييرا في طرق التواصل والعمل نتيجة ربط الأفراد والمؤسسات عبر الشبكات العالمية، وأتاحت فرص بحث معلوماتي أشبه بغير محدود، لكنه ليس بالضرورة مضمونا من ناحية الأصالة والموثوقية. فلكثرة الموارد، وكل ما فيها من أخبار وآراء ومعلومات، ومن دعايات وفبركات، نرى الأمور تختلط ببعضها، فتبدو لنا تارة متوافقة ومستقرة وتارة متضاربة ومتقلبة في فضاء إلكتروني لم يعد له ضوابط أو قيود. وفي خضم هذا الكم الهائل من المعلومات الواردة إلينا، يبرز في الموضوع نقص في المعرفة، وخاصة تلك الموضوعية منها، والتي عادة ما يجب أن ترتكز على الحقائق والمعلومات القابلة للتحقق والإثبات، والمستقلة عن التحيزات الفردية؛ ولكنها تتعرض في كثير من الأحيان للتشويه أو الإخفاء أو الحظر الظِلّي بغرض التأثير على المتلقي المستهَدف. وقد ترى باحثا أو كاتبا ما وسط هذه المعركة يساهم في نتائجها سواء عن قصد أو غير قصد، مما يمس بالنزاهة الفكرية؛ مولدا نموذجا إشكاليا. من هنا تكمن أهمية التأكد من صحة المعطيات ومن الجهة التي تقف وراءها. ومن هنا أيضا تكمن اهمية الإبداعية والموثوقية والشفافية في العمل البحثي.
في مقال سابق كانت الكاتبة لهذه السطور قد أشارت إلى تأثير البيئة الرقمية على الإنسان وكيف يصبح المتلقي ضحية «التثقيف» الإلكتروني عبر الأنترنت. فاليوم صرنا نلجأ في المقام الأول إلى محرك البحث (جوجل) للتفتيش عن المعلومات وبدون التشكيك في مصداقية ما يزودنا به، فنعتمد عليه وكأنه مصدر أساسي محايد، رغم أننا قد لا نعود إلا بالقليل أو بمعلومات غير مؤكدة. ومن خلال التجربة فإن (جوجل) نفسه متقلب في مواقفه ويتماهى مع سياسات حكومية كامنة. فلو قمنا على سبيل المثال بطرح سؤال معين على (جوجل) لا يتفق مع مواقف وتوجهات حكومية رسمية، خاصة في مواضيع تعتبر حساسة سياسيا، نجده لا يتردد بالرد بطرق إلتفافية. وعندما نلح بالسؤال عليه فيما لو كان يتجنب الإجابة، فنراه يعترف انه يفعل ذلك قصدا. من هنا فإن الذكاء الاصطناعي الذي يعتمده محرك البحث ممكن أن يكون مضللا، وإن قبلنا بالجواب الأول الذي يعطى لنا فإننا قد نقع فريسة التلاعب أو الإستغباء. وحتى أنت كباحث أو كاتب سبق ولك منشوراتك، إذا قمت وسألت (جوجل) عن نفسك عبر إعطائه مجرد اسمك سترى أن بعض ما ينسب إليك ليس صحيحا. وإن قمت بالإعتراض، يرد عليك أحيانا بالإعتذار عن الخطأ ويطلب منك معلومات تصحيحية، وإن وافقت يشكرك على إضافة البيانات، لتكتشف بالنهاية أنه يكافئك بالسماح للأخرين بالإطلاع على هويتك ودون إستئذان. نعم إلى هذا الحد!
وهنا قد نتساءل كيف لنا إذًا أن نعرف ما هو الصحيح؟ في هذه النقطة نتحول إلى مسؤولية الفرد، وخاصة الباحث المهني، في تقصي المعلومات من مصادر مختلفة، وعدم الإنقياد إلى مجرد ما يتوافق مع أفكارنا، أو حتى آمالنا ورغباتنا، وألّا نتخذ (جوجل) حصريا في الدراسة والتوثيق. هناك محركات بحث بديلة توفر مصادر أكاديمية وثقافية وتربوية بطريقة سهلة، من كتب ومجلات وموسوعات ومقالات وأوراق مؤتمرات، يتم تحديثها باستمرار وتمكنك من ايجاد أقرب مكتبات لك، ومنها:
)refseek.com, worldcat.org, link.springer.com, academic.microsoft.com, ethos.bl.uk, pdfdrive.com, education.iseek.com, base-search.net, base-search.net(
وبالتأكيد هناك غير هذه المواقع، وما عليك إلا أن تبحث قليلا أكثر مع الحرص على التدقيق في المضمون وجودة المعطيات. فالموضوعية أمر أساسي، سواء في الكتابة العلمية والتربوية لضمان مصداقية المعلومات، أو الصحافة لنقل الواقع كما هو، أو حتى في المجال الصحي، وهو أمر يهمنا جميعا، خاصة وأن شركات الأدوية، وبهدف الربح المادي، تتحكم في بحوث طبية وتسويق مواد وإرشادات موجهة، قد لا تكون مدعومة بالبحث العلمي الكافي لضمان سلامة البشر؛ وتجاربنا مع اللقاحات وغيرها تقودنا إلى الشك بحسن النوايا. وإن كانت الآراء متفاوتة في هذا الموضوع، يبقى احترام التباين أمر لا جدال فيه.
مع الإعتماد على استقاء المعلومات إلكترونيا قد يقلع الباحث تلقائيا عن قراءة الكتب ومراجعة بنوك المعلومات كمصادر أولية، وهي مصادر تعد أفضل بشكل عام من معطيات البحث الإلكتروني المعتمد على الذكاء الاصطناعي. صحيح، ومن المفارقات أننا قد نجد هذه الأيام كتبا غير مدققة لا تزود الباحث بقائمة المراجع، أو حتى بإسم دار النشر، ولكن تبقى الكتب أكثر حجيّة، وخاصة أمهات الكتب، أي المؤلفات الأساسية الجامعة التي تمتاز بالأصالة وغزارة المادة. ولربما يعود تبرير هذا التوجه للباحث إلى عامل توفير الوقت بدل الجلوس في المكتبات والتقليب في محتويات الكتب والتفتيش في المحفوظات، فنحن في عصر السرعة، كما يقال، وليس لدينا الوقت أو الصبر أحيانا لربط الخيوط، رغم أن ذلك كان هو المتّبع قبل أن نصل إلى ما نحن عليه اليوم، وفي هذا الزمن نراه ضروريا أكثر من قبل. فما نفع تسجيل «إنجاز» يضاف إلى قائمة منشوراتنا وهو مبني على نتائج قد تكون قد نشرت قبل القيام بالبحث نفسه! المصادر الإلكترونية لا يعتمد عليها بشكل كامل، ومع ذلك يمكن الاستعانة ببعض المعلومات والتلميحات التي تصدر عبر الشبكة والتي قد توصلنا إلى مصادر أكثر مصداقية. والعامل الآخر الذي قد يغري الباحث في الاعتماد على الموارد المنشورة إلكترونيا هو كونها متاحة للإستعمال بسهولة وبدون رقابة مشددة. فهناك ظاهرة «التحرر» من قواعد إنضباط الإقتباس، وتسويق المعلومات على أنها أصلية للكاتب في بيئة إلكترونية معقدة لا يعرف فيها الصحيح من الخطأ أو الأصيل من الدخيل؛ مما يشجع بعض الكتّاب على «استلاف» المعلومات الجاهزة عبر عمليات »النسخ والإلصاق«، الأمر الذي يحول دون الولاء إلى الأمانة العلمية. هذه بالطبع ممارسات تعتبر غير سليمة، وعلى المتلقي أن يكون حذرا وأذكى من الذكاء الإصطناعي ومتاهاته.
حادثة التحقيق الذي أجرته مؤخرا ( Paris Cité University) بأطروحة الفيزيائي الفرنسي (إتيان كلاين) تشكل رسالة تحذير للمستقبل العلمي يستخلص منها العبر. إذ تم الكشف عن أجزاء كبيرة من أطروحته كانت منتحلة من أعمال مفكرين آخرين، بمن فيهم الفيزيائي (لويس دي بروي) والكاتب (ألبير كامو). (المصدر: American Association for the Advancement of Science) أودت بسحب درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم التي نالها عام 1999 وفرض العقوبات عليه. رغم أن التكنولوجيا لم تكن متطورة أنذاك لتفحص كل كبيرة وصغيرة، نراها اليوم تساهم في كشف المنتحل وانتهاك حقوق الملكية الفكرية؛ إنها سيف ذو حدين!
على الباحث تقع مسؤولية التوجيه الصحيح وهو دور قيادي بحد ذاته، والقائد المخلص والغيور على أبناء مجتمعه يدمج عمله بالوفاء والمصداقية العلمية والمعرفية، لأن القدرة على العمل هي بالقدرة الأخلاقية في المقام الأول وهي بذاتها تشكل أسباب القوة الحقيقية للرسالة التي يؤديها الباحث. وعلينا أن نتذكر دائما أن ما لا نريده لأنفسنا، لا نريده لغيرنا؛ تشويه الحقيقة، حتى لو كان المستهدف لا يتبع إلى »فريقك« بتوجهاته الفكرية أو السياسية، أو العقائدية. فالهدف الأسمى الذي يجب أن يبقى نصب أعيننا يجب أن يصب في مصلحة المجتمع الإنساني والخير العام.


شكرا جزيلا دكتورة على هذه المعلومات الهامة، والتي تثري الثقافة المعرفية للجمهور، و آمل أن تتحفينا دائما بمعلومات تثري معرفتنا ومعلوماتنا
بالتوفيق لك سلمى
نجحت الدكتورة كاتبة المقال في إبراز المفارقة بين سهولة الوصول إلى المعلومات وبين صعوبة التحقق من صحتها في ظل انتشار الأخبار المضللة والمحتوى غير الموثق بالإضافة إلى خطورة التحيز في تشكيل الرأي العام، وما يترتب على ذلك من مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الباحثين والكتاب.
واشارت الكاتبة أن الالتزام بالإبداع والشفافية والنزاهة العلمية يعد أساسًا لإنتاج معرفة موثوقة تسهم في خدمة المجتمع. لذلك، فإن تعزيز الثقافة الرقمية والوعي الإعلامي أصبح ضرورة لمواجهة التحديات التي يفرضها الفضاء الإلكتروني.
الله خلقنا لنعبده، ولن نعبده حق عبادته إلا إذا استنرنا بالحقيقة، وما يخدم الحقيقة من معلومات صحيحة تخدم مصالح الناس ، من هنا سعت الدكتورة سلمى إلى لفت أنظار الباحثين إلى ما يحرف هؤلاء عن طريق الحقيقة والتي ستسعد البشرية؛ فالبشرية تنتظر بلهفة إلى استعادة سبل الحصول على الحقيقة والمعرفة وبذلك تنهج دربها السليم الذي يوصلها إلى سعادة البشرية جمعاء، أتفق مع الدكتورة إلى افتقارنا في كثير من الأحيان إلى مصدر موثوق للمعلومات، وأمهات الكتب، والابتعاد قدر الإمكان عن الكتب المصنفة، تحياتي