د. مصطفى التل: الفلسطينيون والقوة الدولية في غزة: قراءة في الموقف من منظور الدور المغربي

د. مصطفى التل

في تموز 2026،دخل المغرب رسمياً على خط الأزمة الغزية بتوقيعه اتفاقاً للمشاركة في “قوة الاستقرار الدولية” في قطاع غزة .

في الوقت الذي تُسوّق فيه الرباط هذه الخطوة كتتويج للالتزام بقيم السلام والتعاون الدولي  وتجسيداً للدعم المتواصل للشعب الفلسطيني ، يطرح سؤال جوهري: كيف ينظر الفلسطينيون أنفسهم إلى هذه القوة، وما هي انعكاسات الدور المغربي على الموقف الفلسطيني؟!

 الإجابة عن هذا السؤال تستوجب قراءة معمقة للموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي والفصائلي، ثم إسقاط هذه القراءة على طبيعة المشاركة المغربية.

المحور الأول: الموقف الفلسطيني من القوة الدولية – بين القبول المشروط والرفض الجذري

يكشف الموقف الفلسطيني من مشروع القوة الدولية عن ثلاثة تيارات رئيسية متباينة، تنطلق من رؤى مختلفة لمستقبل غزة وطبيعة أي وجود دولي فيها.

الموقف الرسمي (السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير) : يتبنى هذا التيار موقفاً قبولاً مشروطاً، يقوم على عدة محددات واضحة.

 فقد أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واصل أبو يوسف، أن أي قوة دولية يجب أن تكون عربية، وأن تحمي الفلسطينيين من “تغول الاحتلال”، وأن تراقب التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار .

أما الشرط الأهم فهو أن من يحكم غزة هم الفلسطينيون، عبر لجنة إدارية تتبع منظمة التحرير والسلطة الوطنية، مع رفض أي شكل من أشكال فرض الوصاية أو فصل غزة عن الضفة

. كما رحب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى بفكرة القوة الدولية  بشرط ألا تحل محل القوات الأمنية الفلسطينية، وألا تُستخدم كغطاء لإبعاد الفلسطينيين عن إدارة شؤونهم .

الموقف الفصائلي (حماس والجهاد الإسلامي) : يتبنى هذا التيار موقفاً رافضاً جذرياً لأسباب جوهرية.

 فقد أصدرت الفصائل بياناً مشتركاً اعتبرت فيه أن مشروع القوة الدولية يهدف إلى “فرض الوصاية الخارجية على القرار الوطني الفلسطيني” , وحذرت الفصائل من أن أي قوة تتنسق مع إسرائيل أو تعمل تحت إشرافها ستتحول إلى “قوة محتلة” و”شريك في تنفيذ أجندة الاحتلال” بدلاً من أن تكون قوة محايدة لحفظ السلام .

 وشددت الفصائل على أن أي قوة دولية يجب أن تكون مسؤولة بالكامل من قبل  الأمم المتحدة، وأن تتنسق حصراً مع المؤسسات الفلسطينية الرسمية، دون أن تمتلك صلاحيات أمنية أو تفويضاً بنزع السلاح، وهو ما اعتبرته خطاً أحمر .

 كما رفضت الفصائل بشكل قاطع أي وجود لقواعد عسكرية أجنبية في غزة، واعتبرت أن الملف الأمني هو شأن وطني فلسطيني خالص .

الموقف الشعبي: يبدو الموقف الشعبي الفلسطيني منقسماً، وإن كان يميل نحو الرفض بحذر.

فبينما رحب بعض المواطنين في غزة بالقرار الأممي على أمل أن ينهي الحرب ويعيد الاستقرار والإعمار ، حذّر آخرون من أن حضور القوات الدولية قد يتحول إلى مشكلة أكبر من الحرب نفسها، ويؤدي إلى تدخل أجنبي في حياة الفلسطينيين وفرض وصاية على القطاع .

المحللون الفلسطينيون حذروا أيضاً من أن القوة قد تتحول من مؤقتة إلى دائمة، كما حدث مع قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، وهو ما سيخلد حالة الصراع ويمنع حل القضية جذرياً .

المحور الثاني: إسقاط الموقف الفلسطيني على الدور المغربي – بين الخطاب الإنساني والوصاية الأمنية

عند إسقاط هذه القراءة الفلسطينية على الدور المغربي في القوة الدولية، تبرز إشكاليات عميقة تضع المشاركة المغربية في موقع حرج، وتجعلها أقرب إلى “الفشل السياسي” مما هي إلى “النموذج الإنساني”  من خلال عدة نقاط :

أولاً: التناقض بين الخطاب الإنساني والوصاية الأمنية: يصرّ المغرب  في بياناته الرسمية، على أن مشاركته تأتي في إطار “دعم الشعب الفلسطيني” و”إقامة مستشفى ميداني” و”تقديم المساعدات الإنسانية” .

 لكن الموقف الفلسطيني خاصة الفصائلي منه، يرى في أي قوة تتنسق مع إسرائيل (وهو الشرط الأساسي الذي وضعته تل أبيب) مجرد أداة لخدمة الاحتلال , فالمغرب يوقّع اتفاقاً مع “مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي ترامب ويعمل تحت إشراف إسرائيلي، وهذا يتناقض مع المطلب الفلسطيني بأن تكون القوة مسؤولة من  الأمم المتحدة فقط وتتنسق مع المؤسسات الفلسطينية .

ثانياً: المغرب شريك في تثبيت التقسيم الجغرافي والسياسي: الفلسطينيون يصرون على أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تؤكد وحدة الأراضي الفلسطينية .

 بينما يتم التعامل مع غزة كحالة استثنائية تحت إدارة دولية مؤقتة، فإن مشاركة المغرب في هذه القوة قد تُقرأ كمساهمة في “فصل غزة عن الضفة” وترسيخ واقع جديد يخدم المنظور الإسرائيلي، وهو ما حذّر منه عدد من المطلعين على الشأن الفلسطيني .

ثالثاً: صفقة مشبوهة بثمن باهض:  يرى الفلسطينيون أن المشروع برمته  الذي يضم المغرب كأول دولة موقعة، هو محاولة أمريكية-إسرائيلية لفرض ترتيبات سياسية وجيوسياسية على غزة دون أفق سياسي واضح .

المغرب يقدم قواته في وقت تشترط فيه إسرائيل نزع سلاح المقاومة ، وهو ما ترفضه الفصائل الفلسطينية جملة وتفصيلاً وتعتبره اعتداءً على السيادة الوطنية . وبالتالي، يصبح المغرب شريكاً في مشروع إسرائيلي لتجريد غزة من سلاحها، حتى لو تظاهر بأنه شريك إنساني.

رابعاً: تجاهل الإرادة الفلسطينية: يشكو  الفلسطينيون من أنهم لم يُستشاروا بشكل كافٍ في صياغة هذا المشروع، مما يجعله أشبه بفرض وصاية دولية عليهم .

ومن ثم فإن مشاركة المغرب  التي تُقدّم كإسهام في “السلام والاستقرار”، قد تُقرأ على أنها تجاهل للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتفريط في حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وهو ما يضعف أي شرعية لهذه القوة على الأرض.

 الصورة الأوسع :

إن قراءة الموقف الفلسطيني من مشروع القوة الدولية، وإسقاطه على الدور المغربي، تكشف عن فجوة واسعة بين ما تُسوّقه الرباط (دعم إنساني وسياسي للفلسطينيين) وما يقرأه الفلسطينيون (وصاية أمنية وصفقة سياسية تخدم الاحتلال).

فالمغرب بانخراطه في قوة تعمل بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي، ووفق شروط تمنح تل أبيب حق الفيتو، وتحت مظلة أمريكية، يضع نفسه في موقع لا يحسد عليه.

فهو من جهة يخسر موقفه الأخلاقي والسياسي في الشارع العربي والفلسطيني، ومن جهة أخرى، يُصبح أداةً لتنفيذ مشروع إسرائيلي-أمريكي يهدف إلى تجريد غزة من سلاحها وفرض وصاية عليها، دون أن يقدم له هذا الانخراط جديداً لم يكن قد حصل عليه سابقاً.

وهكذا  يظل السؤال مفتوحاً: هل كان بإمكان المغرب أن يحقق ذات المكاسب السياسية دون أن يُصبح طرفاً في مشروع يرفضه الفلسطينيون ويُهدد وحدتهم الوطنية؟

 الإجابة من منظور فلسطيني هي نعم، لكن الثمن كان سيكون مختلفاً: ثمن المبادئ، لا ثمن الصفقات.

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here