
سعاد خليل
اغفل مؤرخو علم النفس الغربيون إشارة الي اسهم علماء النفس المسلمين في تطور علم النفس وتقدمه، وما وصلوا اليه من اراء ونظريات لم يسبقهم اليها احد نمن العلماء قبلهم ويرجع ذلك الاغفال الي جهلهم بتراث المسلمين العلمي وبما يحتوي عليه من اراء ومفاهيم ونظريات نفسية ، ولعل مسؤولية ذلك انما ترجع الي عدم اهتمام علماء النفس المحدثين بدراسة تراثنا العلمي والتعريف به .
وفي دراسة كتبها أنور محمود زناتي يبين فيها ويستشهد ببعض المواقف والحالاتيقول :
قد قدم علماء العرب والمسلمين اسهامات كثيرة في مجال علم النفس تبهر كل من اطلع عليها ، فقد تشكل علم النفس في التراث الإسلامي كما تشكلت معارف المسلمين المختلفة وعلم النفس في التراث الإسلامي لم يكن صنعة تجمع الشعراء ، ولكن استخدم علماء التراث المناهج بأسلوب علمي كالاستبطان، والملاحظة ، ودراسة لحالة الا ان هذا العلم توزع بين المؤلفات التراثية المعنية بأسس السلوك البيولوجية والكتب الفلسفية والفيزيائية والرياضية وقد عالج علماء التراث الظاهرات النفسية كل من زاوية اهتمامه العلمي ، وكان للمسلمين فضل السبق والاضافة في كثير من مجالات علم النفس .
وتعد كتب التراجم وطبقات الاعلام التراثية، وبعض هه الكتب غنية بمادتها السيكولوجية، مثل طبقات الأطباء بن ابي اصبيعة وابن جلجل ، وبعضها يتسع ليشمل تراجم جميع اعلام الفكر وتوفر هذه المؤلفات قاعدة مليئة متينة تمكننا من متابعة تطورت المفاهيم .
وكتب الادب والمصنفات الأدبية مثل: كتاب الامتاع والمؤنسة ، والعقد الفريد وتحتوي هذه المصنفات علي تفاصيل عامة كانت قد اهملت او اختزلت ، وكذلك المؤلفات الفلسفية ، والتي تضم اراء الفلاسفة في النفس إضافة الي بعض النظريات الهامة والتصورات والتي تشكل اساسان نظريا لشرح التصور الإسلامي للإنسان وحياته النفسية كما بوب العلماء لمسلمون النفس ضمن مصنفاتهم الفلسفية الشاملة بعد ملئت شروحا وانتقادا علي ماهي عليه في اليونانية ثماقرد بعضهم لها فصولا في المؤلفات الطبية كابي بكر الرازي ،وابن سينا .ابن سينا :
ولعل خير مثال علي ذلك جهود ابن سينا في هذا المجال فقد سبق علماء الفيزيولوجيا والسيكولوجيا المعاصرين في قياس الانفعال علي أساس قياس التغيرات الفيزيولوجية المصاحبة له ففي علاجه لاحد المرضي شكل ابن سينا بوقوع المريض في لحب الذي تحول الي حالة عشق، وحاول معرفة اسم الفتاة التي يعشقها المريض وابتكر طريقة ظريفة وهي ان يقول للمريض عدة اسماء لبلاد واحياء وفتيات ، وكان يقيس اثناء ذلك سرعة نبض المريض لمعرفة مقدرا الانفعال لذي تثيره هذه الأسماء وقد استطاع بهذه الطريقة ان يعرف اسم الفتاة التي كان يعشقها المريض ، والمكان الذي تعيش فيه وتعتبر هذه الطريقة ارهاصا مبكرا لاختراع الجهاز الحديث المعروف باسم جهاز استجابة الجلد الجلفانية والذي يسمي ايضا جهاز كاشف الكذب . وأشار ابن سينا كما أشار الفارابي من قبل الي الأسباب الأهم لحدوث الأحلام والتي توصل اليها العلماء المحدثون فيما بعد ، ومما ذكره كل من الفارابي وابن سينا ان بعض الاحلام تحدث نتيجة لتأثير بعض المؤثرات لحسية التي تقع علي النائم سواء كانت هذه المؤثرات الحسية صادرة من الخارج او من داخل البدن ،قال ابن سينا في هذا الصدد ومنعرض لعضو منه برد و سخن بسبب حر او برد حكي له هذا العضو منه موضوع في نار او في ماء بارد ، وقد دلب البحوث التجريبي المعاصرة علي صحة ذلك كما قال كل من ابن سينا والفارابي بالرمزية في الاحلام .
ويبتدع ابن سينا جديدا في علاج مريض الملانخوليا، والذي امتنع عن الطعام والشراب حتي نحل مع هذا يتصل بكونه بقرة ، وبعد ان يحار الأطباء في علاجه يذهب اليها ابن سيناء وكان في ذلك الوقت وزيرا ، في اهاب قصاب ( جزار) ومعه مساعداه وكان قد اوصي هله بان يخبروه بان الجزار قادم لذبحه ز.
وقد ركب الأستاذ ابن سينا وجاء في موكبه المعتاد الي قصر المريض ثم دخل مع رجلين والسكين في يده وقال اين هذه البقرة لأذبحها، فقلد الشاب المريض حوار البقرة، مما يعني انه هنا ، فقال الأستاذ جروها الي فنا القصر واوثقوا يديها ورجليها واضجعوها . فلما سمع المريض هذا جري الي وسط القصر واضطجع علي جنبه الايمان ثم جاء أبو علي (ابن سينا ) وسن السكين علي السكين ثم جلس ووضع يده علي خصر المريض كعادة القصابين وقال: وه يا لها من بقرة هزيلة الا انه لا يحل 1بحها اعلفوها حتي تسمن ، وتتابع القصة التي حكاها النظامي ما لعروضي السمرقندي في الحكاية السابعة من المقالة الرابعة من كتابه (جهار مقاله ) .
وقد أورد ابن بختيشو وان نسبه لجالينوس عن قصة صبية الم بها العشق حتي دخلت واشرفت علي الهلاك وذا ادرك بحدسه ان وراء مرضها عشقا فامسك بنبضها وذكر اسما لغلام كان في موكب ابيه فاضرب نبضها مماولة علي عشقها لذلك الغلام ومن ثم نصح امه بجلية امرها ناصحا زواجها ممن تحب. وهو ما تم لها حتي ان الصبية وزوجها انا يجلأنه محل الوالد ، وهذه الرواية نجدها لدي ابن سينا وان كانت ابعد مدي فيما يشير الي تداعي الكلمات والذي ابتدعه بونج بعد اتصاله بفرويد .وقد أشار فرويد في المحاضرة الثالثة من خمس محضرات في التحليل النفسي الي نجاد بونج وتلامذته في هذا الاجراء مع مجموعة زيورخ ، وان تطور علي يد حركة القياس النفسي في اختبار تداعي الكلمات وتجدر الإشارة الي تلك الديناميات النفسية التي يتواكب معها اعراض جسمية لمن يعاني من العشق , وهو ما فصله في كتاب القانون . وأعاد طرفا منه في النجاة، ويشير في القانون الي انه جربه مرارا واستدل به علي طاعة لطبيعة الجسم، للأوهام النفسية . كما كان للأطباء العرب وارزهم ابن سينا راء حول علاقة النفس بالجسم ، وهذا التنوع جاء نتيجة الفهم المتفتح للمنطلقات النظرية التي درست ماهية النفس ينقل لنا ابن سينا في ارجوزته الطبية تلك العلاقة النفس جسمية .
وينفع المحتاج للتحول. (مسكوبه (ت 421ه/1030م
واشتهر مسكوبة بكتابه تهذيب الاخلاق الذي هتم فيه بالنفس وما يتعلق بها من عوامل فيري ان النفس وان كانت تأخذ كثيرا من مبادي العلوم عن الحواس فلها من نفسها مبادي اخري وافعال لا تأخذها عن الحواس، وهي المبادئ الشريفة العالية التي تبني عليها القياسات الصحيحة. ومن رايه ان النفس العاقلة فينا هي بمثابة المجهر الذي يستدرك شيء كثيرا منخرطا الحواس في مبادي افعالها. ويضيف في تعريفه للنفس بوله فالنفس ليست بحسم ولا بجزء من جسم ولا حال من أحوال الجسم وانها شيء اخر مفارق للجسم بجوهره واحكامه وخواصه وافعاله.
ويقسم ابن سكوبه النفس الي ثلاثة قوي كما يلي :
القوة الناطقة التي يكون بها الفكر والتمييز والنظر في حقائق الأمور والقوة الغضبية التي يكون بها الغضب والنجدة والاقدام علي الأهوال والشوق الي التسلق والترفع وضروب الكراسات، والقوة الشهوية، التي يكون بها الشهوة وطلب الغذاء والشوق الي الملا في المشكلات والمشارب والمناحك ، وضروب اللذات الحسية ولكن قوة من هذه القوة فضيلة خاصة بها فالقوة الناطقة فضيلتها الحكمة ، والقوة الغضبية فضيلتها الشجاعة . والقوة الشهوية وفضيلتها العفة.
وهذه القوي الثلاث واقعة في صراع مستمر فيما بينها ن فكل واحدة منها تميل الي توكيف التعبير عن موازين القوي الكائنة بينها بشكل مجازي عن طريق تلك الخرافة الحكمية الشهيرة الخاصة بالإنسان والحصان والكلب ، وقد ذهبو جميعا الي الصيد فاذا ما سيطر الانسان علي سيير العمليات كلها كانت النتيجة لصاح الجميع ، ولكن اذا ما استطاع احد الحيوانين ان يفرض نزواته فان لنتيجة ستكون كارثة وفشلا ذريعا بالنسبة للجميع .
كما تعرض مسكوبه لجوهر النفس قائلا ان لنفس جوهر حي باق لا يقبل الموت ولا الفناء ، وانها ليست الحياة بعينها بل تعطي الحياة كل ما توجد فيه .
ونجد عند مسكوبة تنظرا متكاملا للعلاج لنفسي لا ينقصه سوي المصطلحات الحديثة حتي يصبح نظرية معصرة ومنهجه هو:
الاسبتطان : دراسة حوال النفس وكشف عيوبها وعلاجها بحزم واستقصاء خللها .
الوقاية : حفظ الصحة النفسية بملازمة شيء او تحدب ملازمته .
العنصر الاجتماعي: المعاشرة والمجانسة الصحيحة من اختير الأصدقاء والخلان والاعوان.
الترفيه : عن طريق الترويح والفكاهة والمزاح الطيب وللالتذاذ بالمآكل والمشرب بما يقدره العقل
العقلانية: عن طريق الاهتمام بالأمور الفكرية والانشغال بها لنفع الانسان لان في تركها يركن الي البلادة. ولا يهمل مسكبه مسالة الاعتدال الذي يسميه الوسط الفاضل الذي يقف وسطا بين رذيلة الافراط ورذيلة التفريط فالفضيلة وسط بين الرذائل.
أبو حامد الغزالي (ت505ه 1111م )
كما ان المستويات الثلاثة للنفس والتي يشير اليها فرويد ، الهو والانا، والانا الأعلى نجد ملمحا لها فيما يورده أبو حامد الغزالي ، في الجزء الثالث من كتابه احياء علوم الدين ،والذي ترجم للألمانية عام 1913 عن النفس اللوامة ( الانا الأعلى ) والامارة بالسوء (الهو ) والنفس المطمئنة ( الانا ) وهذه الاطرة لدي الغزالي لا ترقي بحال لما قدمه فرويد وادخله في نظرية عامة للإنسان، وحتي يفرض اطلاعه علي ما اتي به أبو حامد الغزالي لسعة اطلاع فرويد علي التراث العربي والاسلامي وهي الذي يستشهد بجلال الدين الرومي في حالة (الرئيس شريبر ) بجانب ما يختتم به كتابه ما وراء مبدا اللذة من القصيدة الدينارية من مقامات الحريري لكن ذلك في ذاته ، ويغض الطرف عن صحته من عدمه انما يشير الي دلالات اخري تتصل بقصورنا وتقصيرنا في النظر الي تراثنا والذي انتظرت البشرية طويلا حتي اتي فرويد ليقيل النفس وعلم النفس من عثراتهما .
الكندي : وحاتم الكندي بالتربية والتأديب وفي هذا الصدد يذكر الاهواني ، طريقة التأديب اذا وقع من الصي مخالفات في التغافل أولا ثم التوبيخ ،ثم الضرب لأنك ان عودته للتوبيخ والمكاشفة حملته علي الوقاحة ، ويمدح بكل ما يظهر منه من خلق جميل .
وهناك كتاب الطب الروحاني والذي يسميه ابن ابي اصبيعه ” طب النفوس ” وقد عرض فيه اصلاح اخلاق النفس وهو عشرون فصلا وان أشار ابن ابي اصبيعة الي كتب اخري له في النفس ومنها كتاب في ان النفس ليست بجسم ، وكتاب كبير في النفس ، وكتاب بصغير في النفس ” ومن أقواله التي يوردها له ابي اصبيعة ان مزاج الجسم تابع لأخلاق النفس ، وما دمنا في مجال الاقتباس والنقل لما نزل ، فها نحن ننقل من كتابه الطب الروحاني ، نبذة من مطلع الفصل الرابع ولتي أتت تحت عنوان في تعرف لرجل عيوب نفسه ، ومناجل ان ككل واحد منا لا يمكنه منع الهوي محبة منه لنفسه واستصواب واستحسانا لأفعاله ، وان ينظر بعين العقل الخالصة المحضة الي خلائقه وسيرته ، لا يكاد يستبين ما فيه من المعايب والضرائب الذميمة . ومتي لم يستبين ذلك فيعرفه لم يقلع عنه اذ ليس يشعر به فضلا عن ان يتسعجبه ويعمل في الإقلاع عنه ، فينبغي ان يسند الرجل امره في هذا الي رجل عاقل كثير اللزوم له . والكون معه . وما ظهر وبان له منه يظهرله اغتماما ولا استخزاء. وفيما ذكرنا من هذا الباب كفاية وبلاغ، ومن استعمله لم يزل كالقدم مقوما مثقفا .
واحسبه درسا في العلاقة بين المحلل والمحلل من سمي بجالينوس العرب وان لم تمنعه قناعته بعديد من آرائه بالاختلاف معه . والكشف من كثير من اراء خاطئة له ، وقد ترجم كتابه الحاوي الأذى يقال ان تلامذته قد جمعوا فيه اراءه في اثني عشر جزء ، كما اسلفنا القول ولقيمته العظيمة اختصره عديدون وترجم الي اللاتينيية عام 1486 في برشيا ثم طبع بالبندقية عام 1542 وهناك نسخة لما تزل بجامعة كامردج في مكتبة كلية الملك ، ون كان براون يري ان منا بقي من هذا الكباب هو الاخر لا يزيد علي نصفه وهي متفرقة بين المتحف البريطاني والاسكوريال والبودليان وموسكو وبتروجراد ، ودار الكتب بالقاهرة، كما ان بعضها الاخر موجزا موجود في برلين وتجدر إشارة بنا الي ان بعض الحالات الطبية المثيرة والتي تشيء ببصرة ورهافة حس وفهم عميق للعلاقة بين العلة الجسيمة والنفس ، قد جاء ذكر بعضها في الفرج بعد الشدة للتنوخي . كما أورد طرفا منها لنظامي العروضي السمرقندي في دهار مقاله ، لكن حشدا منها كما يقول براون موجود بالمجلد السابع من الترجمة اللاتينية تحت عنوان امثلة من قصص المرضي وحكايات لنا من خلط ( نتف ونوادر وما اكثر ما في التراث مما تنبه اليه الغرب مبكرا حتي ان هناك طرفة احسب ان اسماع الرفاق منمن فرنسا قد يدركون معها بعض من مرامينا لتناول هذا التراث بالتقويم لا التسليم ن وقد كان اجدادهم قبل اجدادنا اعلم بالأهمية منا ، بل هم في كثير من الأمهات من دلونا علي مواطن للاهتمام ، لولاهم لظللنا في غفلة عنها .واما الطرفة فان بعض ابنية جامعة باريس الطبية في القرن الرابع عشر كان قدد اصبها الخلل في وقت كن يعوز مجلس ادارتها المال الكافي لإصلاحها مما اضطرهم لطلب معونة مالية من احد رجال المال المعروفين في حينها والذي طلب كالعادة ضمانا للمبلغ المطلوب ولما لم يكن للجامعة من ضمان غير ما تحويه من كتب فقط اشترط صاحب المال ان يكون كتاب الحاوي ضمانا لماله .
وما اكثر ما يمكن ان نستشهد به من اراء المستشرقين ومشتغلين بتاريخ العلم في الغرب عن فضل الحضارة العربية واسهامات علمائها في شتي مناحي العلوم ومنها النفس قاله البارون كارا دوفو وهو احد اعلام الاستشراق الفرنسي وممن اهمهم و بابن سينا في مطالع قرن ماضي اذ يري ان الميراث الذي تركه اليونان لم يحسن الرومان القيام به اما العرب فقد اتقنوه وعملوا علي تحسينه وانمائه حتي سلموه للعصور الحديثة. سارتون احد اكبر من اهتموا بتاريخ العلم . ان بعض المؤرخين يحاولون يستخفوا بفضل الشرق علي العمران ويصرحوا بان العرب والمسلمين نقلو العلوم القديمة و ولم يضيف اليها شيئا . ان هذا الراي خاطي ولولاهم لتأخر سير المدنية بضعة قرون .

التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.