صالح عوض: الضفة الغربية.. ملامح التحرير القريب

صالح عوض

في حين ينشغل الوسطاء في إيجاد صيغة لتسليم سلاح المقاومة في غزة، يتقدم شباب من الضفة لانتزاع السلاح من ايدي المستوطنين يحولونه الى صدورهم.. انها تراجيديا مثيرة.. فالفلسطيني ممنوع عليه أي أنواع السلم وحتى تلك المصحوبة بمذلة وهدر الحقوق، وممنوع عليه المقاومة مهما كانت شرعيتها وبسطاتها.

أوسلو في خارج السياق:

لم يكن أوسلو سيء السمعة والصيت هو المحاولة الأولى التي يلجها الفلسطينيون الرسميون للتاكيد على حرصهم بإيقاف المذبحة والتضييع للحق الفلسطيني فلقد كان لهم موقف قبل عشرين سنة من أوسلو يوم طرحوا البرنامج المرحلي ذا النقاط العشر والتي تمهد للاعتراف بإسرائيل والقبول بدولة على أرض الضفة وقطاع غزة أو على أي أرض يمكن دحر الاحتلال عنها..

من الواضح أن الذين يناقشون القضية في مركز صنع القرار الفلسطيني مصابون بضغط الواقع وافرازاته وموجة الضغط الدولي فنسوا أن القضية هي قضية شعب وأرض وان الأرض هنا هي فلسطين وفلسطين هنا هي من رأس الناقورة الى رفح… وفيما هم يتفاوضون ويتحاورون مع الامريكان والصهاينة وسواهم غاب عنهم ادراك جوهر الدعاية الصهيونية حول حق اليهود في وطن قومي.. فمثلا بأي حق تمنح القيادة الفلسطينية الحق لليهود في عكا ويافا وصفد والناصرة وبئر السبع واللد والرملة فيما هم وحسب كل صحائفهم الكاذبة لا يدعون وجودا تاريخيا في هذه المدن وهي معظم فلسطين.. هذا على سبيل النقاش وان كنا مزودين بالحقائق على كل الأوجه التي تؤكد وجودنا التاريخي المتسلسل بلا انقطاع على ارض فلسطين..

الخطأ الجوهري أن يعترف الفلسطينيون الرسميون بشرعية وجود إسرائيل و هذا لا يستدعي سؤال مناكف: وما هو البديل هل لديكم برنامج لتحرير فلسطين وامكانيات لتحرير فلسطين؟ الرد على المنطق الانهزامي سهل وسريع وهو: اذا لم نستطع تحرير فلسطين الان ولا نملك لذلك برنامج فهذا لا يدفعنا الى الاعتراف بشرعية الوجود الصهيوني على ارض فلسطين هذا من الناحية المبدأية أولا وثانيا من قال لكم انه باعترافكم بالعدوان والكيان الصهيوني على 80 بالمائة من ارض فلسطين سوف تنالون دولة سيدة على أرض 1967؟  ولعلنا الآن أبلغ خطابا عندما نؤكد ان أي اتفاق مع الكيان الصهيوني كما هو مع الولايات المتحدة كما هو مع كل متجبر متغطرس عدواني لن يكون مصيره الا النقض والتجاوز وسوف يستغل العدو فترة الهدنة حسب الاتفاق لحشد مزيدا من أدوات الفتك والانقضاض من جديد على المستضعفين..

السياسة والمنطق والواقع والتاريخ فضلا عن المنهج الإسلامي كل ذلك يقول ان الاتفاق مع العدو المتغطرس المعتدي الباطل انما هو يصب في صالح العدو لاسيما ان كان الطرف المعتدى عليه هو الضعيف ولاسيما ان كان العدو هو الغرب وصناعته الكيان الصهيوني.

غياب المنهج وحلول الهزائم:

للأسف لايمتلك المثقف والمفكر العربي القدرة على الإعلان عن السبب الحقيقي في ضياع فلسطين وهزائم العرب والمسلمين على الصعد جميعا.. و يفر السياسي العربي والفلسطيني عن البحث عن المنهج الإسلامي وسننه ونواميسه في الصراع الى مخترعات كلامية وتصورات هوائية مشحونة بالغريزة والهوى.. فتكون الهزيمة تلو الهزيمة.

عندما نقول المنهج الإسلامي بالتأكيد نحن لا نقصد جملة الشعائر والشرائع والعبادات والمعاملات الشخصية انما هي السنن والنواميس والضوابط في الحرب والسلم والهدنة والقتال وكيفية التعامل مع العدو، وهي النموذج الامثل عالميا وعلميا، ويصيبنا الشقاء والهزيمة والتخلف والتردي بمقدار اعراضنا عن المنهج الإسلامي.. وهنا بلا خجل ولا تردد نؤكد على حقيقة ان هزائمنا على المستويات عدة يعود الى جهلنا بالمنهج الإسلامي او اعراضنا عنه لأننا في الحقيقة نكون تخلينا عن ضوابط الوعي وسنن الانتصار والحكمة البالغة واستبدلناها بأهواء بشر وأقوال بشر تتهاوى امام تحديات الواقع فنرجع صما بكما عميا لا نملك من امرنا شيئا.. نحن نعرف أن هناك من ينبري لنا مناكفا قائلا ان الغرب وامريكا والكيان الصهيوني لا يلتزم بالمنهج الإسلامي ولكنهم يحققون الانتصارات.. لا نتردد بالقول ان المشروع الاستعماري الاستكباري بكل مكوناته هو مشروع شيطاني وهو ليس بديلا عن مشروع السلام والإنسانية والكرامة الذي يمثله مشروع امتنا وتاريخنا الحضاري ثم من قال لكم انهم ينتصرون؟ انهم يغلبون في بضع سنين غلبة السلاح والعدة والخسة والجريمة ولكنهم مهزومون على اكثر من صعيد انساني وقيمي ومجتمعاتهم تضج بالعبودية والجريمة والنهب.. ثم بعد ذلك كله هم اعتصموا ببعض ما ننادي به من استعداد وعدة وتوحد وقوة وحذر وحيطة وسوى ذلك فان غلبتهم جاءت بناء على استمساكهم ببعض النواميس والقوانين.. ومن المعلوم ان الناس جميعا يسيرون تحت ما جعل لهم من قوانين اما موافقة او معارضة وبمقدار التوافق معها يغلبون وبمقدار التخلي عنها ينهزمون سواء كانوا مسلمين او غير ذلك.. ومن هنا فاننا لا نستغرب غلبة المشروع الغربي والصهيوني على فلسطين والأمة فان هذا منطقي وعقلي.. والتصدي للعدو المتغطرس المجرم العدواني لايكون الا بمزيد من الالتزام بالسنن والنواميس بدءا من لا يكلف الله نفسا الا وسعها مرورا باعدوا لهم ما استطعتم.. وخذوا حذركم.. ولاتهنوا في ابتغاء القوم.. واعدوا لهم ما استطعتم.. وعدم موالاة العدو او التودد اليه.. وليجدوا فيكم غلظة.. ودوا لو تدهن فيدهنون.. ان كنتم تألمون فانهم يأملون.. وهكذا مئات السنن والقوانين التي تكفل صناعة واقع حضاري متقدم نقيض للجريمة والعدوان.

الطوفان العظيم:

لا أعتقد أن هناك عاقل توقع ان نحرر فلسطين بالطوفان ولا حتى الذين فكروا فيه أو دعوا اليه وأعدوا له.. انما هو جولة صارخة عنيفة قوية ضد هيمنة إسرائيل وادعائها بان جيشها لايقهر واقع الهزيمة والتطبيع والتردي، ضد واقع هيمنة إسرائيل على المشرق العربي برمته وضد المشروع الصهيوني المزمع بإسرائيل الكبرى تحتوي الشام كله والعراق وأجزاء من السعودية كما كان ضد هيمنة الرواية الصهيونية على العالم وضد تحول العالم كله الى مزرعة خلفية للكيان الصهيوني.. ولقد حقق الطوفان العظيم هذا كله منذ اليوم الأول فكسر كبرياء الجيش الذي يرعب المنطقة بحكامها وجيوشها كما واصلت المقاومة استنزافه وايقاع الخسائر المعتبرة في صفوفه ، كما كان لتوسيع دائرة حقده وشره وانتقامه من المدنيين ما اسقط روايته عن طبيعة الصراع وحقيقة الدولة العبرية فظهر كل شيء على حقيقته أن تشكلت المحاكم الدولية تطارد العصابة المجرمة رغم كل الدعم الأمريكي لها.. واذا بعجلة التطبيع تتوقف واذا بالشعوب العربية والإسلامية من جديد تنشد الى قضيتها المركزية واذا بدول عربية واسلامية تنخرط في المعركة اسنادا للشعب الفلسطيني في غزة، اليمن ولبنان وايران.. واذا بأحرار العالم في أمريكا وأروبا وكل القارات ومن كل الديانات والاعراق يهبون بحيوية وقوة تنديدا بحرب الإبادة ونصرة لشعب فلسطين.

ايران وجنوب لبنان نموذج أخر:

رغم كل التهويش على ايران وحزب الله الا ان الجمهورية الإسلامية والمقاومة يشقان طريقا جديدا في الوعي والممارسة بعد ان أصبحت المعركة حقيقية وجدية ضد الكيان الصهيوني وبعد ان أصبحت صواريخ المسلمين والعرب تضرب معاقل الكيان الصهيوني وتلجئه الى الدخول الى الملاجيء على مدار أيام واسابيع وأشهر بتفطع.

ايران الدولة الاسلامية الوحيدة:

بعيدا عن تصنيفات الاداوات الثقافية المحنطة والمستهلكة فان ايران تمثل الإرادة الإسلامية والعربية في مواجهة الغطرسة الامريكية والصهيونية وعصابة التحكم العالمي ولقد تمكنت في خلال طوفان الأقصى ان تدير المعركة باشكالها المتعددة بكثير من الإرادة والعزة والمناورة والذكاء والحكمة وفعلت ما ينبغي فعله وقالت ما يجب قوله فكانت بالنسبة للامة الإسلامية في هذه المنعطف التاريخي ” بدر” بكل دلالاتها وعلى ضوء هذه المعركة الحادة والقاسية ستتحدد ليس فقط معالم المنطقة بل والعالم.. ان إشارة بسيطة لما انتجته هذه الحرب من اثار عن الاستراتجيات العالمية يعني بوضوح ان صمود ايران و مصاولتها بكل اعتزاز ويقين فتح الباب امام كثير من الكيانات والدول في العالم لكي تجدد تموضعها الدولي.. كما انها فرضت على البيت الأبيض التناقض والتمزق كما على الشارع الأمريكي سواء.. كما على الصعيد الدولي في العلاقات داخل معسكر الناتو والانشقاق الحاصل بين أمريكا واوربا حيث بلغت العزلة مداها على الموقف الأمريكي والسلوك الصهيوني.. ان الحرب الدائرة حول الخليج رغم كل تضحيات ايران المنسجمة مع روح العقيدة انما هي هز عنيف للعلاقات الدولية وللقانون الدولي و للقوى الكامنة في العالم.. وهذا ليس بتأثيره على الاقتصاد العالمي الذي أصبح على كف عفريت بين طموحات أمريكية بانهياره او واقع يجر معه الاقتصاد الأمريكي ومخازن الأسلحة والذخائر الامريكية.

الضفة الفلسطينية خطوة متقدمة:

بعد ان ارست ملحمة غزة حبالها بكل ما فيها دفاعا عن كرامة الانسان وحريته وبعد ان فعلت المقاومة اللبنانية واليمن ما عجزت عنه دول عربية كبيرة في نصرة غزة والوقوف معها في ذات الخندق وبعد ان اثبتت ايران انها دولة مواجهة حقيقية وفاعلة وبعد حرب الإبادة التي مارسها العدو بكل شيطنة وخسة بعد هذا كله هاهي الضفة تفرض نوعا جديدا من المقاومة انها الدفاع عن الأرض..

ها هي الضفة تكتب سيناريو أخر في الدفاع عن الأرض الفلسطينية والمقدسات الإسلامية والمسيحية حيث يجد ملايينها الثلاثة انفسهم وجها لوجه امام مخطط استيطاني همجي تشرف عليه قوى إسرائيلية داخلية مدعومة من عصابات الجريمة في العالم وشخصيات نافذة في مصدر القرار العالمي.. وهكذا تبدو المعركة بلون مختلف.. حيث تسجل الاحداث عن عميق التحول الوجداني في الضفة وتجاوز الناس موقف السلطة التي تخشى ان تؤدي المواجهات الى حرب شعواء تعطي العدو مبررات القتل والابادة والتهجير.. الذي يحصل في الضفة انطلق من كل ما سبق في غزة ولبنان واليمن وايران.. انطلق ليمنح الملحمة فصلا مختلفا تماما في شكل المواجهة بل وعنوانها القريب..

منذ امد ليس قريب ينهض اهل القرى والمداشر لحماية مراعيهم واغنامهم واشجارهم فيما يطلق المستوطنون اليهود عليهم الخنازير لتكسير الأشجار او صبيتهم بعصيهم لسرقة المواشي او احراق البيوت والمزارع.. ولكن المقاومة لهذا العدوان تأخذ منحى جديد في الاشتباك مباشرة بالأيدي العزلاء مع المستوطنين وهنا على هامش الحديث نلفت الانتباه الى ان العدو لاينتظر مبررات لعدوانه فهو لم يدمر غزة فقط لان هناك مبررا لذلك انما هو يتحرك وفق خطة وبرنامج للابادة والتهجير وسرقة الأرض.. والذي يحصل في الضفة يعني بوضوح هذا المعنى الجلي.

في الضفة إجابة واضحة قوية على مسألة تسليم سلاح غزة، الإجابة تقول: ان انتم أصريتم على سحب سلاح غزة فإننا هنا سننتزع السلاح من رعاعكم ونسقط مقاتليهم دفاعا عن ارضنا ومقدساتنا.. وهذا ما يمنح مقاومة الضفة صفة الاستئناف لملحمة غزة بأدوات وطريقة مختلفة..

ليس بعد مقاومة الضفة الا مقاومة ستتوسع في المنطقة وكل الذين انتقدنا تأخرهم في مرحلة سابقة سيجدون لهم مكانا في المراحل القادمة فالمعركة لن تنتهي في المنظور فهي معركة نهضة امة وتحررها هي معركة القدس أي النهضة والحرية والوحدة والعالمية العربية الإسلامية الثانية .. تولانا الله برحمته

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here