عبدالفتاح الصناعي
ليست المضائق البحرية مجرد ممرات تعبرها السفن، بل هي مرايا تعكس توازنات السياسة الدولية، ونقاط التقاء المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول. فمن هرمز إلى باب المندب، تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، وتلتقي المصالح مع المخاوف، وتصبح حركة السفن مرآةً لحركة الدبلوماسية بقدر ما هي مرآة لحركة التجارة. واليوم، تبدو المنطقة أمام لحظة نادرة يتراجع فيها ضجيج السلاح، ويرتفع معها سؤال السلام: هل يتحول هذا الهدوء إلى نافذة تاريخية للاستقرار، أم أنه مجرد الهدوء الذي يسبق عودة العاصفة؟
فبعد سنوات طويلة كانت فيها هذه المضائق عنوانًا للتوترات الإقليمية والدولية، تتزامن اليوم مؤشرات تهدئة في مضيق هرمز مع انخفاض نسبي في التصعيد على الساحة اليمنية. وقد تبدو هذه التطورات للوهلة الأولى أحداثًا منفصلة، لكنها في حقيقتها تعكس إدراكًا متزايدًا لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الصراعات لم يعد يستنزف خصومها وحدهم، بل يستنزف الجميع، ويهدد أمن المنطقة والعالم في آن واحد.
في مضيق هرمز، لم يكن اللافت فقط الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيريه العُماني معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، وإنما طبيعة الرسائل التي حملتها تلك الاتصالات، حيث تصدرت قضايا الاستقرار، وتعزيز التعاون الدبلوماسي، وخفض أسباب التوتر جدول النقاش، في مؤشر يعكس تزايد القناعة بأن الحوار بات أقل كلفة من استمرار المواجهة.
وتزداد أهمية هذه المؤشرات مع ما أُثير حول مقترح عُماني لإنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة أمن مضيق هرمز، تستلهم تجارب دولية ناجحة في إدارة الممرات البحرية الحيوية، وتقوم على التشاور والمسؤولية المشتركة بدل الاحتكار والمواجهة. وهي فكرة لا تنطلق من سؤال: من يفرض إرادته على المضيق؟ بل من سؤال أكثر نضجًا: كيف يمكن لجميع الأطراف أن تحافظ على أمنه واستقراره بما يخدم مصالح الجميع؟
وهنا تتجلى الفلسفة الدبلوماسية العُمانية التي لم تنظر يومًا إلى الأزمات بوصفها ساحات لتسجيل الانتصارات، بل باعتبارها فرصًا لبناء التفاهمات. وكما حافظت مسقط طوال سنوات الحرب اليمنية على جسور الحوار مع مختلف الأطراف، فإنها تحاول اليوم نقل الفلسفة ذاتها إلى أمن الممرات البحرية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الأمن المستدام لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالثقة المتبادلة، واحترام المصالح المشروعة، وتحويل الجغرافيا من مصدر للتنافس إلى مساحة للتعاون.
ورغم اختلاف الجغرافيا بين هرمز وباب المندب، فإن أمنهما أصبح اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى؛ فما يحدث في أحدهما ينعكس سريعًا على الآخر، ويؤثر في حركة التجارة العالمية، وأمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد الدولي. ولعل الرسالة الأهم أن أمن هرمز لا يكتمل من دون استقرار باب المندب، كما أن استقرار باب المندب لن يتحقق بعيدًا عن تفاهمات إقليمية أوسع. فالمضائق لا تفصل بين الدول بقدر ما تربط مصائرها، وأي اضطراب في أحدها سرعان ما يمتد أثره إلى الآخر.
وعلى الضفة الأخرى، في اليمن، ورغم استمرار بعض الحوادث المحدودة، فإن الأيام الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في حدة التصعيد العسكري، وانخفاضًا في مستوى التوتر، وهو ما أعاد فتح نافذة ضيقة للأمل بعد أسابيع من القلق والتصعيد. ولا يعني ذلك أن الأزمة شارفت على نهايتها، لكنه يؤكد أن مساحة التهدئة ما تزال قائمة، وأن الحوار يظل قادرًا على استعادة زمام المبادرة متى توفرت الإرادة السياسية.
لقد أثبتت الحرب في اليمن، كما أثبتت أزمات المنطقة، أن الحروب لا تصنع منتصرين بقدر ما تصنع أوطانًا منهكة، وأسرًا مفجوعة، وأطفالًا حُرموا من التعليم، واقتصاداتٍ استنزفتها الصراعات. ولهذا فإن كل خطوة نحو التهدئة ليست مكسبًا سياسيًا فحسب، بل انتصارٌ للإنسان قبل أي اعتبار آخر.
ولا يعني هذا الهدوء أن السلام أصبح قريبًا بالضرورة، لكنه يؤكد حقيقة أثبتتها تجارب المنطقة، وهي أن أكثر الملفات تعقيدًا يمكن أن تجد طريقها إلى الحل متى توفرت الإرادة السياسية، وتقدمت لغة الحوار على لغة السلاح، وغلبت المصالح المشتركة على حسابات الصراع.
وليس من قبيل المصادفة أن تتقارب مؤشرات التهدئة في هرمز واليمن في هذا التوقيت؛ فالقوى الإقليمية باتت تدرك أن أي انفجار جديد لن تكون كلفته محصورة داخل حدود دولة بعينها، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، في وقت تحتاج فيه شعوب المنطقة إلى التنمية وإعادة الإعمار أكثر من حاجتها إلى حروب جديدة.
ولهذا، فإن نجاح التهدئة لن يكون مكسبًا لدول المنطقة وحدها، بل سيكون مكسبًا للنظام الاقتصادي العالمي بأسره، الذي بات أكثر حساسية لأي اضطراب في الممرات البحرية، وأكثر احتياجًا إلى استقرارها في ظل التحديات الاقتصادية المتسارعة.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تعيد رسم موازين القوة مؤقتًا، لكنها لا تصنع سلامًا مستدامًا، ولا تبني اقتصادًا مزدهرًا، ولا تؤسس لمستقبل آمن. أما السلام الحقيقي، فلا يبدأ عند توقف إطلاق النار فحسب، بل عندما تتحول الثقة إلى مؤسسات، والحوار إلى آليات دائمة، والمصالح المشتركة إلى ضمانات تمنع عودة الصراع، وتجعل التعاون خيارًا استراتيجيًا لا مجرد هدنة مؤقتة.
ومن هنا، فإن مسؤولية استثمار هذه اللحظة لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل تمتد إلى المنظمات الإقليمية والدولية، والإعلام، والنخب الفكرية، وكل من يملك كلمة أو موقفًا يسهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز ثقافة الحوار. فالكلمة قد تُطفئ نارًا كما قد تشعلها، والموقف الحكيم قد يفتح بابًا للحوار بعد أن أوصدته سنوات الصراع.
قد يكون الهدوء الذي يمتد اليوم من هرمز إلى باب المندب بدايةً لشرق أوسط أكثر استقرارًا، وقد يكون مجرد هدنة قصيرة تسبق عودة العاصفة. لكن الفارق بين الاحتمالين لن تصنعه الجغرافيا، ولا البوارج، ولا موازين القوة العسكرية وحدها، بل ستصنعه الإرادة السياسية، وشجاعة القادة، وإيمان شعوب المنطقة بأن السلام ليس تنازلًا، بل أعظم استثمار في أمن الإنسان وازدهار الأوطان.
فإذا كانت الجغرافيا قد جعلت من هرمز وباب المندب بوابتين للتجارة العالمية، فإن الحكمة قادرة على أن تجعلهما أيضًا بوابتين لسلامٍ إقليمي أكثر رسوخًا، يثبت أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحسم في ميادين القتال، بل تلك التي تُبنى حول موائد الحوار، حيث تنتصر الدبلوماسية على الصراع، وينتصر المستقبل على ذاكرة الحروب.
كاتب يمني


التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.