محمد أحمد سهيل المعشني: سقوط الردع الأمريكي: بين مطرقة التصعيد وسندان الانهيار الهيكلي

 

 

محمد أحمد سهيل المعشني

لم يعد خفياً أن عجلة التصعيد العسكري في غرب آسيا، التي انطلقت ككرة ثلج منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ولا تزال تتدحرج بلا هوادة ولا تتوقف، قد وصلت إلى نقطة انعطاف حاسمة، تكشف بوضوح عن التآكل البنيوي في منظومة الردع الأمريكية. فمنذ اللحظة التي اختارت فيها واشنطن الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة، بدت وكأنها تكرر أخطاء تاريخية جسيمة في سوء تقدير القوة والقدرة على حسم الصراعات. غير أن قراءة ما يجري بمعزل عن جذوره الهيكلية يظل قاصراً؛ فالمأزق الراهن لا يعبر عن مجرد إخفاق ميداني عابر أو أزمات تكتيكية، بل يمثل عرضاً مباشراً لانهيار أوسع يضرب بنية الهيمنة الاقتصادية والمالية الغربية التي طالما شكلت العمود الفقري لنفوذ الإمبراطورية.

على المستوى العسكري البحت، تواجه المؤسسة العسكرية الأمريكية أزمة بنيوية تتمثل في التآكل السريع والمتسارع للمخزون الاستراتيجي من الذخائر والمعدات المعقدة. إن الرهان على العمليات الجوية الواسعة أو شن ضربات استعراضية ضد البنية التحتية اصطدم بعقبات صلبة، أبرزها التحصينات الجبلية العميقة والمنشآت الاستراتيجية المحصنة، مثل منشأة فوردو، التي تفتقر أي ضربة تقليدية إلى القدرة الحقيقية على تدميرها، ما يجعل الحديث عن غزو بري أو عمليات نوعية مجرد فانتازيا عسكرية تفتقر إلى الحد الأدنى من الجدوى الميدانية. فمع كل صاروخ اعتراضي تُطلقه المدمرات الأمريكية في المنطقة بتكلفة مالية باهظة، لا تستنزف واشنطن مخزونها العسكري فحسب، بل تُغرق ميزانيتها في مستنقع لا يخدم أولوياتها الاستراتيجية المرهونة أصلاً بسباق التسلح المحتدم في المحيط الهادي ضد الصين، وهو ما يجعل أي مغامرة عسكرية واسعة رفاهية لم تعد الخزانة الأمريكية قادرة على تحمل تبعاتها.

ويمتد هذا المأزق إلى البعد النفسي والسياسي؛ حيث سقطت السياسة الخارجية في فخ الأدلجة المفرطة وتصوير الخصم عبر ثنائية حادة تقوم على الخير والشر المطلق. وحين تصر الإدارة على شيطنة الطرف الآخر وتجريده من مصالحه المشروعة لأجل التعبئة العامة، فإنها تغلق بشكل تام نوافذ الدبلوماسية والتسوية السياسية. إن صانع القرار الذي يصوّر خصمه على أنه شر محض يجد نفسه عاجزاً عن الجلوس إلى طاولات المفاوضات أو تبرير أي تنازل متبادل لجمهور تم تضليله بخطاب استئصالي، ليصبح هذا الجدار الأيديولوجي السميك المقبرة الحقيقية لأي أفق دبلوماسي مستدام، مانعاً أي رؤية موضوعية لطبيعة الصراع الذي يتجاوز الجغرافيا ليلامس أزمة النظام المالي العالمي.

وفي المقابل، تجاوزت الأطراف الإقليمية معادلة “الصبر الاستراتيجي” السلبي نحو تفعيل مفهوم «الردع التصعيدي»؛ فلم تؤدِ الضغوط الأمريكية المتهورة إلى إضعاف الخصم أو كسر إرادته، بل دفعت قوى الإقليم إلى استخدام التصعيد المدروس أداةً لفرض قواعد اشتباك جديدة كلياً وتفكيك أوهام التفوق المطلق. بل إن الأكثر خطورة هو انزلاق واشنطن خلف رغبات حليفها الإسرائيلي الذي يرى في التصعيد فرصة دائمة لإعادة رسم خرائط المنطقة، مما يضع الإدارة الأمريكية في مأزق مزدوج: إما كبح جماح حليفها وخسارة ما تبقى من هيبة الردع لدى عملائها، أو الانجراف وراءه نحو حرب إقليمية شاملة لا تُحمد عقباها. ومع ذلك، فإن استراتيجية “الردع التصعيدي” هذه ليست عصا سحرية؛ فهي تنطوي على مخاطرة بالغة بإشعال حريق واسع النطاق، وتستلزم قدرة استثنائية على تحمل تداعيات الاستنزاف طويل الأمد. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن هذه الاستراتيجية الجديدة قد أوقعت خسائر موجعة في صفوف محور المقاومة، وقطعت أوصال التنسيق البري في أكثر من جبهة، مما يؤكد أن المنطقة بأسرها تخوض حرب استنزاف طاحنة، لا يخرج منها منتصر مطلق، بل تتراجع فيها هيمنة القديم وتتسارع ولادة نظام دولي متعدد الأقطاب بتكاليف باهظة على الجميع.

إن سقوط أوهام الردع الأمريكي في غرب آسيا يعلن بوضوح نهاية حقبة القوة الأحادية القادرة على هندسة الجغرافيا السياسية بالإكراه. ومع اصطدام الخيارات العسكرية بحائط البنية الدفاعية الصلبة وتصدع ركائز الهيمنة المالية والاقتصادية، تجد واشنطن نفسها محاصرة بين رغبة جامحة في استمرار السيطرة وواقع مرير يؤكد أن عصر التفوق المطلق قد انطوى بلا رجعة، تاركاً النظام الدولي أمام مخاض عسير يعيد صياغة موازين القوى خارج أطر الهيمنة التقليدية.

ظفار -سلطنة عُمان

للمتابعة والاطلاع على أرشيف الكاتب:

https://muckrack.com/mohammed-almaashani

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here