هل انتهت المواجهة… أم أنها دخلت مرحلة إعادة التموضع؟

نجاح محمد علي

أعادت تصريحات نُقلت عن رسميين أمريكيين فتح باب التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لتوقف المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة.

وبحسب هذه التصريحات ، فإن مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمنيين والعسكريين أبلغوه يوم الجمعة بأن الضربات الإيرانية ألحقت خسائر كبيرة بالمعدات العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت، وأن استمرار العمليات العسكرية لم يعد ممكناً في تلك اللحظة.

ورغم أن هذه  التصريحات تمثل رواية منسوبة إلى مسؤولين  أمريكيين ولم تؤكدها واشنطن رسمياً، إلا أنها تطرح سؤالاً بالغ الأهمية:

إذا كانت الولايات المتحدة قد أوقفت الحرب بسبب خسائر عسكرية مؤقتة، فهل يعني ذلك أنها تخلت عن خيار الحرب نهائياً؟

الجواب، وفق القراءة الاستراتيجية، هو: ليس بالضرورة.

أولاً: لماذا توقفت المواجهة؟

هناك عدة احتمالات يمكن أن تفسر توقف العمليات العسكرية:

  • تعرض قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في الخليج الفارسي والأردن لأضرار تتطلب إعادة تقييم.

  • الحاجة إلى إعادة نشر القوات وتعويض المعدات والذخائر.

  • تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تشمل مضيق هرمز والبحر الأحمر والقواعد الأمريكية في المنطقة.

  • الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي الأمريكي وتجنب ارتفاع أسعار الطاقة.

  • الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات النصفية وما يرافقها من حساسيات داخلية.

قد يكون قرار وقف العمليات قراراً عملياتياً مؤقتاً أكثر منه قراراً استراتيجياً بإنهاء الصراع.

ثانياً: هل تستطيع الولايات المتحدة تعويض خسائرها؟

التجارب السابقة تشير إلى أن الولايات المتحدة تمتلك:

  • أكبر صناعة عسكرية في العالم.

  • قدرة لوجستية هائلة على نقل المعدات.

  • مخازن استراتيجية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

  • تحالفات عسكرية واسعة تسمح بإعادة الانتشار خلال أشهر.

لذلك، فإن تعويض الخسائر العسكرية، إذا وقعت، يبقى احتمالاً قائماً من الناحية العسكرية، وهو ما يجب أن تبني عليه ايران ، تقدير موقفها.

ثالثاً: ماذا بعد إعادة بناء القوة؟

إذا اكتملت عملية إعادة التسلح وإعادة التموضع، فإن الخيارات الأمريكية قد تشمل:

  • استمرار سياسة الردع دون حرب.

  • تصعيد اقتصادي وسيبراني واستخباري.

  • عمليات عسكرية محدودة.

  • أو، في حال تغيّرت الحسابات السياسية والعسكرية، دراسة خيار مواجهة أوسع ، وهو ما يجب أن تتوقعه إيران قبل كل شيء.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد تخلي واشنطن نهائياً عن اتخاذ قرار بالعودة إلى الحرب.

وعليه أي اتفاق تهدئة يجب أن يكون مصحوباً بخروج القوات الأمريكية من المنطقة وتقديم ضمانات حقيقية بعدم العود لاستخدام القوة.

رابعاً: الانتخابات النصفية… عامل مؤثر أم حاسم؟

يرى عدد من المحللين أن الإدارات الأمريكية غالباً ما تراعي توقيت الاستحقاقات الانتخابية عند اتخاذ قرارات كبرى تتعلق بالحروب.

لذلك يطرح بعض الخبراء سيناريو مفاده أن أي قرار بتوسيع المواجهة قد يُؤجَّل إلى ما بعد الانتخابات النصفية إذا رأت الإدارة أن الظروف السياسية والعسكرية أصبحت أكثر ملاءمة.

هذا ليس قرآناً ، و على ايران أن لا تأمن الأمريكي أبداً.

لكن هذا يبقى تقديراً تحليلياً، وليس معلومة مؤكدة.

خامساً: ماذا يعني ذلك بالنسبة لإيران؟

إذا افترضنا أن طهران نجحت في فرض معادلة ردع خلال الجولة الماضية، فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن.

فالردع لا يُقاس بجولة واحدة، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على توازن القوى على المدى الطويل.

وأي افتراض بأن الخصم لن يعود إلى المواجهة قد يقود إلى أخطاء في الحسابات.

تقدير الموقف

استناداً إلى المعطيات الحالية، يمكن رسم السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً):

استمرار الهدوء العسكري النسبي مع إعادة بناء القدرات الأمريكية، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والسياسية والاستخبارية.

السيناريو الثاني:

تنفيذ عمليات محدودة أو ضربات موضعية إذا حدث تطور ميداني أو سياسي يغيّر قواعد الاشتباك.

السيناريو الثالث:

عودة مواجهة عسكرية أوسع بعد اكتمال إعادة التموضع، إذا رأت واشنطن أن ميزان القوى يسمح بذلك. وهذا يبقى احتمالاً مشروطاً بعوامل سياسية وعسكرية عديدة، وليس نتيجة حتمية.

في النهاية، قد تكون الحرب توقفت، لكن الصراع لم ينتهِ.

وقد تكون المدافع صمتت، لكن سباق إعادة التسلح، وإعادة التموضع، وإعادة رسم قواعد الردع ما زال مستمراً.

التأريخ العسكري يعلمنا أن كثيراً من الحروب لا تنتهي بالضربة الأخيرة، بل تبدأ مرحلة جديدة أكثر تعقيداً بعد وقف إطلاق النار.

ومن هنا، فإن الحذر يبقى عنصراً أساسياً في أي قراءة استراتيجية.

وكما جاء في الحديث الشريف:

“لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين.”

وكما قال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي : مَن جَرَّبَ المُجَرَّب، حَلَّت به الندامة.

وفي السياسة كما في الحروب، تعني هذه الحكمة ضرورة عدم افتراض أن جولة ناجحة تكفي لضمان الأمن في المستقبل، بل إن الحفاظ على الجاهزية وقراءة المتغيرات باستمرار هو ما يصنع الردع الحقيقي.

باحث متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

ترحب 'راي اليوم' بآراء الكتاب وتأمل ان لا يزيد المقال عن 800 كلمة مع صورة وتعريف مختصر بالكاتب
الاعلانات

4 تعليقات

  1. بصفتي كاتباً ومتابعاً سياسياً مقيماً في ألمانيا، أوجه نداءً صريحاً وشديداً إلى صناع القرار في الجمهورية الإسلامية الإيرانية: احذروا الوقوع ضحية الانسياق إلى فخ «وقف الحرب» الذي يُسوَّق اليوم على أنه انتصار أو هدنة مريحة. هذا الهدوء المصطنع ليس إلا استراحة يمنحها العدو لنفسه ليعيد ترتيب صفوفه، ويعيد تسليح أدواته، ثم يعود بأشرس مما كان.
    كل ما جاء في مقال الأستاذ الدكتور نجاح محمد علي يستحق أن يُتبنى حرفياً ويُحوَّل إلى سياسة رسمية لا مجرّد قراءة تحليلية. الرجل كشف المستور بوضوح: وقف إطلاق النار الحالي فخ استراتيجي مدروس، هدفه امتصاص الزخم الإيراني وإيقاع طهران في فخ «الرضا الزائف» ثم الانقضاض عليها لاحقاً.
    أي تراخٍ أو ثقة مفرطة في الوعود الأمريكية أو الإسرائيلية سيكون ثمنه باهظاً على إيران وعلى محور المقاومة بأكمله. اليقظة المطلقة، والتمسك بالشروط الإيرانية غير القابلة للتفاوض، ورفض أي صفقة تُقدَّم على أنها «سلام»، هو الطريق الوحيد لتجنب الكارثة.
    أكرر: تبنّوا تحليل نجاح محمد علي كاملاً، واعملوا به، فالتاريخ لا يرحم من يغفل عن الفخ مرتين.

  2. تحليلٌ موضوعي ومهم يطرح السؤال الصحيح في التوقيت المناسب. فالتوقف الظاهري عن العمليات العسكرية الواسعة لا يعني بالضرورة انتهاء المواجهة، بل قد يكون انتقالاً مدروساً إلى مرحلة إعادة تموضع، حيث تُدار المعركة بأدوات أقل تكلفة وأكثر استدامة: الردع المستمر، التصعيد الاقتصادي والسيبراني والاستخباراتي، والعمليات المحدودة المحسوبة.
    المنطق الاستراتيجي يشير إلى أن الأطراف المعنية تدرك حدود الحرب الشاملة وتكاليفها، لذا تفضل الحفاظ على توازن ردع هش يتيح لها إعادة ترتيب أوراقها داخلياً وإقليمياً. هذا النمط من “الحرب تحت عتبة الحرب” أصبح سمة رئيسية في الصراعات المعاصرة، خاصة في منطقتنا.
    المقال يفتح باب نقاش ضروري حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام هدنة تكتيكية مؤقتة، أم أمام استراتيجية طويلة الأمد لإدارة الصراع دون حسمه؟ الإجابة ستتضح من خلال مراقبة حجم الاستثمارات في القدرات الاستخباراتية والسيبرانية، ومدى الالتزام بخطوط الردع الحمراء.
    شكراً للكاتب على هذا الطرح الهادئ والبعيد عن الانفعال.

  3. هدوء قبل العاصفة… هذا ما يجب أن تنتبه إليه إيران جيداً بعد إعلان وقف الحرب مع أمريكا. فالوقف ليس نهاية العدوان، بل فخّ مدروس يُراد به امتصاص زخم المقاومة الإيرانية، وإعادة ترتيب الأوراق الأمريكية والإسرائيلية، ثم العودة لاحقاً بضربة أقوى وأكثر تنسيقاً. كما حذّر الأستاذ الدكتور نجاح محمد علي، فإن هذا «الهدوء» ليس هدنة حقيقية، بل استراحة محارب يتيح للعدو ترميم قدراته، بينما يُراد لإيران أن تظن أنها انتصرت فترتخي. إن أي تهاون في اليقظة الاستراتيجية أو في دعم محاور المقاومة سيكون ثمنه باهظاً، فالتاريخ يعلمنا أن أمريكا لا تتراجع إلا لتكرّ الكرة من جديد، وأن ما يبدو سلاماً اليوم قد يكون مقدمة لحرب أوسع غداً.
    — أحمد البرغوثي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here